عثمان بن جني ( ابن جني )

348

الخصائص

باب في تدريج اللغة وذلك أن يشبه شيء شيئا من موضع ، فيمضى حكمه على حكم الأوّل ، ثم يرقّى منه إلى غيره . فمن ذلك قولهم : جالس الحسن أو ابن سيرين ، ( ولو ) جالسهما جميعا لكان مصيبا مطيعا لا مخالفا ، وإن كانت ( أو ) إنما هي في أصل وضعها لأحد الشيئين . وإنما جاز ذلك في هذا الموضع ، لا لشيء رجع إلى نفس ( أو ) بل لقرينة انضمّت من جهة المعنى إلى ( أو ) . وذلك لأنه قد عرف أنه إنما رغّب في مجالسة الحسن لما لمجالسه في ذلك من الحظّ ، وهذه الحال موجودة في مجالسة ابن سيرين أيضا ، وكأنه قال : جالس هذا الضرب من الناس . وعلى ذلك جرى النهى في هذا الطرز من القول في قول اللّه سبحانه وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [ الإنسان : 24 ] وكأنه - واللّه أعلم - قال : لا تطع هذا الضرب من الناس . ثم إنه لما رأى ( أو ) في هذا الموضع قد جرت مجرى الواو تدرّج من ذلك إلى غيره ، فأجراها مجرى الواو في موضع عار من هذه القرينة التي سوّغته استعمال ( أو ) في معنى الواو ؛ ألا تراه كيف قال : وكان سيّان ألا يسرحوا نعما * أو يسرحوه بها ، واغبرّت السوح " 1 " وسواء وسيّان لا يستعمل إلا بالواو . وعليه قول الآخر : فسيّان حرب أو تبوءوا بمثله * وقد يقبل الضيم الذليل المسيّر " 2 " أي فسيّان حرب وبواؤكم بمثله ، كما أن معنى الأوّل : فكان سيّان ألا يسرحوا نعما ، وأن يسرحوه بها . وهذا واضح .

--> ( 1 ) البيت لأبى ذؤيب الهذلي في خزانة الأدب 5 / 134 ، 137 ، 138 ، وشرح أشعار الهذليين ص 122 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 245 ، وشرح شواهد المغنى ص 198 ، ولسان العرب ( سوا ) وبلا نسبة في خزانة الأدب 4 / 89 ، 11 / 70 ، ورصف المباني ص 132 ، 427 ، وشرح المفصل 8 / 91 ، ومغنى اللبيب ص 63 . ( 2 ) البيت بلا نسبة في شرح المفصّل 8 / 91 ، ولسان العرب ( سوا ) .